ابن عربي

97

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

اللّه في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء » « 1 » والحديث مشهور عند العلماء ، وفيه روايتان المد والقصر ، واستشهادنا به في هذا المعنى إذا كان بالمد لا غير . والودق ينزل من خلال سحابه * كدموع صبّ للفراق تبدّد يقول : ونزول المعارف الإلهية من خلال السحاب ، يعني أبواب التجلي ودقائقه في المقام الغمامي ، ويشبهه بدموع الصب أي تنزل محبة وشوق تخصصا له على مقام الخلة والاصطفاء والتبدد المنسوب إليها أي أنها خارجة عن حكم ما يقتضيه الكسب ، فهو فوق الموازين لأنه تعالى يقول : وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [ الحجر : 21 ] ، وقوله تعالى : وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ [ الشورى : 27 ] . واشرب سلافة خمرها بخمارها * واطرب على غرد هنالك ينشد « 2 » قال اللّه تعالى : وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [ محمد : 15 ] ، وصرفه إلى المعاني والمعارف التي يكون عنها السرور والابتهاج والفرح وإزالة الغموم والتجريد من الكم والكيف والهياكل الظلمانية ، والتنزه عن ملاحظة الأكوان الجسمية والجسمانية مطلوب الأفاضل من العلماء الإلهيين ، وجعل الخمر سلافة ، يقول : ما فيها تعمل ، ولا درستها أقدام ، ولا استخرجها معصار ، لكن صدرت عن أصلها بقوة أصلها ، فظهرت في عينها لعينها لم تشهد سوى ذاتها وأصلها الصادرة عنه ، فهي علوم ربانية ومعارف مقدسة إلهية تورث ما ذكرناه . والغرد الذي ينشد هنالك هو الناطق الذي ينتجه الذكر الجامع ، فتسمعه اللطيفة الإنسانية في ذاتها فتلتذ بسماعه ولا سيما إذا تحمل معارف يخاطبها بها مثل هذا الخطاب الذي ورد به على هذا الشخص في هذا الحال بما ذكره في البيتين بعد هذا وهما : وسلافة من عهد آدم أخبرت * عن جنّة المأوى حديثا يسند إنّ الحسان تفلنها من ريقه * كالمسك جاد بها علينا الخرّد هذا ذكر ما جاء به الناطق الغرد المنشد في خطابه في نعت هذه العلوم الخمرية ومرتبتها والتنبيه على أصلها وأصل عطريتها وقدمها ، وإنها من جنة المأوى ، أي من الحضرة التي تأوي نفوس العارفين في أوان التربية ، وقوله : إنّ الحسان ، يعني الأسماء

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في ( السنن 3109 ) ، وابن ماجة في ( السنن 882 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 4 / 11 ) ، والطبراني في ( المعجم البير 19 / 207 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 3 / 322 ) ، والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 5725 ) ، والطبري في ( التفسير 12 / 4 ) ، وابن كثير في ( التفسير 4 / 240 ) ، والألباني في ( السلسلة الضعيفة 2 / 384 ) ، والطبري في ( التاريخ 1 / 37 ) . ( 2 ) السّلافة : الخمر أول ما تعصر ، وما سال وتحلّب من عصير العنب قبل العصر ، وأخلص الخمر وأفضلها ( ج ) سلافات .